الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
123
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تعالى بقوله : وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً [ الأنعام : 80 ] وأخلص القول والعمل للّه تعالى فقال : وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً [ الأنعام : 81 ] وتطلّب الهدى بقوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [ البقرة : 128 ] - وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا [ البقرة : 128 ] وكسر الأصنام بيده فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً [ الأنبياء : 58 ] ، وأظهر الانقطاع للّه بقوله : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [ الشعراء : 78 - 81 ] ، وتصدّى للاحتجاج على الوحدانية وصفات اللّه قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ [ البقرة : 258 ] - وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [ الأنعام : 83 ] - وَحاجَّهُ قَوْمُهُ [ الأنعام : 80 ] . وعطف قوله : وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لييأس مشركو العرب من أن يكونوا على ملّة إبراهيم ، وحتى لا يتوهم متوهم أنّ القصر المستفاد من قوله : ( ولكن حنيفا مسلما ) قصر إضافي بالنسبة لليهودية والنصرانية ، حيث كان العرب يزعمون أنهم على ملّة إبراهيم لكنهم مشركون . [ 68 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 68 ] إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ( 68 ) استئناف ناشئ عن نفي اليهودية والنصرانية عن إبراهيم ، فليس اليهود ولا النصارى ولا المشركون بأولى الناس به ، وهذا يدل على أنهم كانوا يقولون : نحن أولى بدينكم . و ( أولى ) اسم تفضيل أي أشد وليا أي قربا مشتق من ولي إذا صار وليّا ، وعدّي بالباء لتضمّنه معنى الاتصال أي أخصّ الناس بإبراهيم وأقربهم منه . ومن المفسّرين من جعل أولى هنا بمعنى أجدر فيضطرّ إلى تقدير مضاف قبل قوله : بِإِبْراهِيمَ أي بدين إبراهيم . والذين اتبعوا إبراهيم هم الذين اتبعوه في حياته : مثل لوط وإسماعيل وإسحاق ، ولا اعتداد بمحاولة الذين حاولوا اتباع الحنيفية ولم يهتدوا إليها ، مثل زيد بن عمرو بن نفيل ، وأمية ابن أبي الصّلت ، وأبيه أبي الصّلت ، وأبي قيس صرمة بن أبي أنس من بني النجّار ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كاد أمية بن أبي الصّلت ، أن يسلم » وهو لم يدرك الإسلام فالمعنى كاد أن يكون حنيفا ، وفي « صحيح البخاري » : أنّ زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل